الرئيسية / المجتمع / لعنة قابيل..

لعنة قابيل..

 

للكاتبة  #عائشة_الصلاحي 

الثلاثاء 27 نوفمبر 2018

في عبارة شهيرة قرر غاندي المراحل التي يمر بها كل من يمتلك حلم عظيم و سامي ليحققه في حياته فيقول:

“في البداية يتجاهلونك …ثم يسخرون منك …ثم يحاربونك …ثم تنتصر “

ذلك أنه حين يتملكك شيءٌ قويٌ يدفعك للحياة .. رسالة ما .. هدف نابض .. فإنك تندفع محطماً كل الأبواب الموصدة أمامك .. فالحماسة و قوة انطلاقتك يجعلان فتح الباب فتحاً هادئاً أمراً غير وارد البته ، تصبح في أعماقك فارساً متسلحاً بروح المقاتل الاسطوري لتواجه العالم بكل تحدياته …

نعم ستقاتل الأحداث المعاكسة و الخصوم و الظروف و نقاط ضعفك و كل طوارئ مستقبلك ، لن تتوقف عن خوض المعارك الواحدة تلو الأخرى فلديك ما ينتظرك هناك في آخر النفق لتقتنصه كما يقتنص الصقر فريسته ..

ذلك المأمول الذي ينتظرك هو ما يملأ كيانك ببركان من الرغبة المتوقدة و التحفيز الملتهب لكنك وسط كل ذلك تغفل أو تسهو عن عقبة واحدة تظنها غير جديرة بالقلق و تجهل أنها قد تكون غالباً قاصمة الظهر… إنها تلك الخصومة الغير متوقعة من المقربين لك ..

عبارة غاندي توحي لك بأولئك الأباعد و الأغراب و الأعداء و تغفل أنها قد تعني من يحيطون بك ، فنحن دوماً نولي أعداءنا معظم استعدادنا للقتال ، ننتبه لتحركاتهم ضدنا و نحسب خطواتهم لنقاومها و ننتصر عليهم عابرين كل عقباتهم ، كما أن الغرباء أيضاً خطر .. فنراقبهم بحذر شديد فهم لا يعرفوننا و ليسوا مضمونين ، و بين هذا و ذاك نغفل غالباً عن إساءة المقربين .

نعتقد – لسذاجتنا – أن من البديهي أنهم سيكونون معنا ، سيساندوننا ، سيؤمنون بنا بل و يراهنون علينا فهم يعرفوننا جيداً و في النهاية ما سنحققه هو فخرٌ لهم لكونهم في دائرتنا المقربة و الخاصة , هكذا نقنع أنفسنا ..حتى تعصف الحقيقة بنا لتصفعنا بكل وحشيتها ..

فالأقربون غالباً هم أبشع شوكة ستنغرس في قدمك لتثقل خطواتك و ربما تشل حركتك تماماً .. غالباً الأقربون هم الذين لا يرون حقيقتك المشرقة ..لا يلاحظون روعتك و لا عظمتك ..و لا يعترفون بتفردك ..

القاعدة المتوارثة في علم العلاقات تؤكد أن هناك علاقة طردية و متفاعلة بين القرب و قلة التقدير ..بمعنى كلما كان الشخص في مكانة أقرب لك كلما كان هذا أدعى لقلة تقديره لمحاسنك و تألقك و لهذا الأمر أسباب متعددة علينا التركيز عليها لفهم هذه الديناميكية الصعبة في العلاقات ..

القرب يجعلك – في نظر الطرف الآخر- شخص عادي أكثر مما عليه الاخرين , إنه يرى بوضوح عيوبك و نقصك كأي بشر و هذا يجعله يستهجن أي محاولة لك للتفرد أو للتميز أو للتقدم نحو مكان قيادي و كأن عليك أن تكون مخلوق أسطوري ليقتنع بك ، يفكر باستياء أنه يعرفك جيداً على حقيقتك و لذا لا داعي للتباهي أو للتظاهر الذي تمارسه في مسيرتك الجديدة و المندفعة ..

إنه يعتبر رغبتك في التألق أمراً شخصياً يُؤرقه لذا يسعى إلى التقليل من شأنك بل و فضحك كما يزعم و هو بهذا سيُلزمك حدك فمن أنت لتكون غير ما أنت عليه في نظره الثاقب ؟!..

و القرب هنا قد يكون النشأة الواحدة كأن تكونوا إخوة يسري فيكم نفس الدم أو أن تكونوا أصدقاء الطفولة أو جيران أو زملاء دراسة أو رفقاء جماعة  أو أتباع لنفس الديانة ..

من ناحية أخرى فإن شعور المنافسة للنظير يتجسد هنا بقوة فيشعر هذا الشخص القريب أنكما كنتما على قدم سواء بسبب تلك الرفقة أو النشأة التي جمعتكما ؛ لذا حين تحاول أن تصبح شخص مختلف فأنت تحاول دهسه و التعالي على مقامك المتساوي معه و هذا شيء غير مقبول عنده ؛ لذا فهو يحاول تحطيم هذا الشخص الجديد الذي تريد أن تكونه ..

و كلما كانت هناك مساحات أكثر مشتركة بينكما كلما زاد هذا الشعور التنافسي و ذاك الرفض و الاستهجان فأفراد الجنس الواحد أكثر رفضاً لبعضهم البعض , فالذكور يرفضون الذكور بشدة و ضراوة , و المرأة يمكن أن تقبل تقدم رجل عليها لكنها تستهجن تألق امرأة من نفس جنسها …

إن المساحة المشتركة توقظ شعور عميق بالتساوي و التشابه و بالتالي الندية و الرغبة في المناطحة ” فلماذا هو سيتقدم و أنا عليَّ الاعتراف به ؟! “..

الأمر ذاته في زملاء المهنة الواحدة و المجال الواحد فتجد هؤلاء يتطاولون على بعضهم البعض في أقرب مناسبة و يشككون في انجازات بعضهم بل و يحاربون بعضهم ، ففي داخل المهنة الواحدة ” نحن نعرف بعضنا ..نحن على قدم سواء و هو ليس له الحق و لا القدرة على التقدم فهو خبز يدنا كما يقال .. “، هناك شعور عميق أن تقدمك يعني ضمنياً تأخرهم و أن نجاحك يعني ضمنياً فشلهم أو عدم كفاءتهم و خاصة لو كنت أصغر بالسن أو مختلف المنهجية أو ذو سمة تجديدية حقيقية ..

الأدهى أن نفس هذه القاعدة تحدث في نفس أفراد الشعب الواحد فتجد الكثير يتقبل الاعتراف بترفيع ذلك الغريب من جنسية أخرى بل و قد يدين له بالولاء و يتبعه لكنه لن يتقبل أخاه من الوطن نفسه ..لا يمكنه أن يعترف أن هناك مواطن مثله قد تفوق عليه و يجب أن يدين له بالقبول …الأمر شخصي بالنسبة له ” فنحن من نفس الطينة و هو ليس أولى بالوطنية مني ..فلماذا يتقدم هو و ليس أنا ؟!” ..

نفس الامر ينطبق بشكل جذري و جوهري على رفقاء الجماعة الفكرية الواحدة أو الديانة المشتركة و هذا ما يفسر أن أعنف الحروب الدموية التي دامت لقرون كانت باسم الدين و الانتصار للرب الذي يدعي الجميع أنهم الأقرب إليه ..

يمكننا تسمية ذلك بالحسد فهذه الممارسة قائمة على رفض هبات و جدارات الآخر … ذلك الآخر الذي أراه مساوياً لي بل و أقل مني فأنا – بزعمي – أعرف عيوبه و نقصه جيداً و بالتالي أنا أدرى بما يستحقه بالضبط ..

نعم إنها لعنة قابيل الأخ الذي رفض تفوق أخيه هابيل و اشتعلت نفسه بالحقد عليه و مكر به ومن ثم قتله ، إنها لعنةٌ أصابت الأخ الذي يحطم أخواته الإناث في البيت ربيبات طفولته .. فهي لن تتفوق عليه أبداً و لن يكون لها شأن أعلى و لو اضطر لتكسير عظامها و الافتراء عليها و على أهليتها ..

نفس اللعنة التي أصابت أصحاب الوطن الواحد و القرية الواحدة بل و الأسرة الواحدة حين يرفض أفراده ذلك العظيم الذي يتألق نجمه بينهم و صار له رسالة و قضية يريد أن يجمع الناس حولها , فترى الغرباء الأكثر إعترافاً به بل و المسارعين لنصرته و لاقتناع فكرته بينما أهله و قرابته و صحبته القديمة هم الأكثر عداءً و رفضاً و إستخفافاً بشأنه و بحلمه ..

لعنة أهل المهنة الواحدة و المجال الواحد حين تراهم يتقاتلون بينما المفترض أن يتعاونوا .. يغتاب بعضهم البعض و يشهر به و يذمه و يقلل من شأن كل مبادراته و انجازاته ..

لعنة الزوج الذي لا يرى روعة و عظمة زوجته فهي مجرد ملكية خاصة به فقط و الزوجة التي لا ترى في زوجها الكثير لتؤمن به و تراهن عليه ..

الحقيقة الأكيدة أن (القرب ليس شيء نكونه بل شيء نختاره )..

فالقرب المكاني هو ما قد يصنع الجدران و الأسوار العالية بيننا و هو من قد يشعل الحروب في الوطن و البيت ، يحدث ذاك حين نختار نحن أن لا نرى بعضنا إلا من خلال الأنا المتعالية و الأحكام المسبقة المجحفة السطحية…

أن تختار التعرف على من بقربك هو شي يجب أن تفعله بتجرد و موضوعية و تواضع لتراه كما هو لا كما تخاف و لا كما ترغب فهو في حقيقته ماهيةٌ مختلفة عن مخاوفك و رغباتك و نزواتك ..

لذا دعونا نواجه هذه الحقيقة بوعي … لا تفترض أن من حولك من الأقربين هم من سيصطفون بجانبك ، عليك أن تستعد لاحتمالية أن يضيقوا بكونك عملاق يشعرهم بالتقزم و سيفعلون كل شيء ..كل شيء ليعيدونك ذلك القزم الذي يرونه دوماً كحقيقة لك …

ليس عليك أن تعاني خيبات أمل تسحقك أو إحباط خانق يحطمك بل عليك تفهم أسباب ذلك و حيثياته كحقيقة من حقائق طبائع البشر و غريزتهم ، كما أنه لا يحق لك إستباق سوء الظن بهم فالتاريخ يحكي عن مقربين كانوا أكبر عون لأصحاب الرسالات و المشاريع الناجحة فالأمر كما قلنا اختيار يقوم به الطرف الآخر و أنت لا تعرف ماذا سيختار , لذا لا تستبق الأحداث و تضمر سوء ظن تجاهه .. افعل ما عليك و اجذبه إليك بما تستطيع و راقب موقفه بعدها ..

هون عليك .. مرارة غصص هابيل ليست بالأمر الذي يمكن تجاوزه بسهولة لكن الأمر برمته ليس خطأك و ليس بيدك حيلة تجاهه إلا أن تكون عظيماً في أخلاقك و تحتسب أجر أوجاعك و تظل ماضياً في دربك حتى النهاية إذ لست وحيداً في ذلك فهاهم الكثير من الأنبياء و العظماء قد مضوا قبلك و صابروا ..ثم سعدوا …

ابتهج ..

فالله يجعل في بر الغريب عوضاً عن عقوق القريب … و لن يضرنَّك كيدهم شيئاً  إلا اللمم ..

شاهد أيضاً

(زواج المغامره) زواج أختلاف الجنسيات

للكاتبه /أينا الحياني زواج المغامره جمعنا الحب ..وفرقتنا الجنسيه زواح اختلاف الجنسيات في السنوات الاخير …